السيد نعمة الله الجزائري

502

زهر الربيع

والعدالة مكتسبان وليسا جبليّين فالصحابي كغيره في أنّه لا يثبت إيمانه إلّا بحجّة لكن قد جازف أهل السنّة فحكموا بعدالة كلّ الصّحابة من لابس الفتن ومن لم يلابس وقد كان فيهم المقهورون على الإسلام وشارب الخمر وقاتل النّفس وسارق الرّداء بل كان فيهم المنافقون كما أخبر به الباري ورواه البخاري في صحيحه وكانوا في عهده ساكنين في مدينته يصحبونه ويدعون بالصّحابة ولم يكونوا مميّزين بالنّفاق وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وكان فيهم من يريد له الدّواهي كما ذكره البيهقي من علمائهم في كتاب دلائل النبوّة أنّه لما رجع من تبوك فبلغ إلى عقبة في الطّريق مكر به ناس من أصحابه فتشاوروا أن يطرحوه في العقبة ثمّ اطّلعه اللّه عليهم وكانوا اثني عشر رجلا سبعة من قريش ثمّ قصّ قصّة العقبة وعلى تقدير ثبوت الإيمان والعدالة يمكن زوالهما كما في حديث بلعم صاحب موسى : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها وكما وقع في سبعين ألف من بني إسرائيل وأولاد الأنبياء الّذين كانوا في دين موسى ( ع ) فارتدّوا في حياته بمجرّد غيبته عنهم مدّة قليلة إلى الطّور واستضعفوا وصيّة هارون وكادوا يقتلونه واقتدوا بالسّامري في عبادة العجل وإذا كان هذا حال هؤلاء النّجباء الذين لم يسبق منهم الكفر والشرك فما ظنّك بحال جماعة فنوا أكثر أعمارهم في الكفر والجاهليّة على أن من أطاع السّامري لم يحصل له جاه ولا مال ومن أطاع أبا بكر وأصحابه بلغ الجاه والمال والولايات وإذا كان هذا حالهم فينبغي تصفّح حالاتهم ومن مات منهم على الإيمان والعدالة ومن لم يمت . وروى مسلم في صحيحه عن النبي ( ص ) أنّه قال : « ليردنّ علي الحوض رجال من أصحابي إذا رأيتهم رفعوا إليّ واختلجوا دوني فأقول أي ربّ أصحابي أصحابي فيقال لي إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك » ومثله مذكور في صحيح البخاري وقال القاضي إنّهم تأوّلوه بأهل الردة . أقول : وهذا كاف لنا لثبوت الارتداد عليهم باعترافكم وإن كنّا نحن نقول المراد بهم من غصب الخلافة وأتباعهم . وقال الفاضل التفتازاني في التّلويح أن الجزم بالعدالة يختصّ بمن اشتهر بطول الصّحبة على طريق التتبّع والأخذ عن النّبي ( ص ) والباقون كسائر النّاس